ساسي سالم الحاج

145

نقد الخطاب الاستشراقي

مفادها أنه وعشيرته قد منعوه من قومه ، وحمّلهم مسؤولية حياته ومصيره ، وقد أشار « موير » إلى هذه الواقعة طبقا لرواية ابن هشام دونما تعليق عليها « 1 » . ولكن « مونتجمري وات » يرفض هذه الواقعة بأدلة سائغة ويفترض في نهاية تحليله أن زيارة العباس للعقبة صحبة محمد هو اختراع محض استخدمته الدعاية العباسية « 2 » . وعند هذه النقطة تبدأ الهجرة إلى يثرب ويصفها « موير » بدون تحليل وينفي حصول أي اضطهاد لعائلات الرسول أو المهاجرين . أما « وات » فإنه يصف دوافع الهجرة إلى المدينة بأنها ترقّب مستقبل أفضل فيها وليس هروبا من الاضطهاد لأنه يرى أن كتب التاريخ لا تشير إلى أي أثر لظهور موجة جديدة من الاضطهاد قبل الهجرة إلى المدينة باستثناء حادثة أبي سلمى « 3 » والشتائم التي وجّهت لأبي بكر ومحمد نفسه « 4 » . وهكذا هاجر أتباع الرسول دونما حوادث تذكر ، وهاجر هو الآخر صحبة صاحبه أبي بكر بعد أن تخفّيا عن الأعيان ثلاثة أيام ووصلا سالمين إلى المدينة التي استقبلتهما استقبالا حافلا ، وفي هذه المرحلة تبدأ السيرة النبوية بعد الهجرة بما لها من جلائل الآثار وعظيم الأعمال لا يزال العالم يعيش في كنفها إلى الآن . وستكون هذه المرحلة موضوعا نهائيّا لدراستنا للسيرة طبقا للمنظور الاستشراقي ، ولكن قبل البدء في ذلك علينا أن نرد على شبهات وتحاليل المستشرقين بعد أن أوردناها لك بالتفصيل وذلك على النحو التالي : ناقش المستشرقون الثلاثة ظاهرة الوحي القرآني . واتفقوا جميعا على أن القرآن ليس منزّلا من اللّه على رسوله ، ولكنه عبارة عن خيال خلّاق ، كامن في اللا شعور ، يردده محمد وهو يعتقد جازما أنه يأتي إليه من خارج ذاته . ونحن حاولنا في الجزء الثاني من كتابنا إيراد آراء المستشرقين حول ظاهرة الوحي الإلهي ثم الرد عليها

--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 234 . ( 2 ) مونتجمري وات ، محمد في مكة ، المرجع السابق ، ص 233 . ( 3 ) أراد « وات » الإشارة إلى الاضطهاد اللاحق بأبي سلمة بن عبد الأسد ، وكان من المهاجرين إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ، قد استجار بأبي طالب لحمايته . واعتراض قريش على هذه الحماية ، وقيام أبي لهب بالدفاع عنه حتى اضطرت أخيرا إلى تركه وشأنه تحت حماية خاله أبي طالب ، ابن هشام ، المرجع السابق ، الجزء الأول ، ص 371 . ( 4 ) مونتجمري وات ، المرجع السابق ، ص 235 .